تفاصيل”المجزرة”التي أمر”خامنئي”مرشحي الرئاسة بعدم التحدث عنها من قريب أو بعيد
والسبب الذي استنفر خامنئي لإصدار هذا الأمر الصارم، هو السخط المتصاعد في الشارع الإيراني من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة، فضلًا عن هزلية العملية الانتخابية التي من المقرر انطلاقها غدًا، الجمعة 19 مايو، إذ وصفها المعارض محمد ملكي بأنها ليست إلا “لعبة حكومية”، والتي توجت بإعادة فتح أحد أبرز الملفات الإجرامية لنظام الملالي على لسان الرئيس الحالي والمرشح حسن روحاني، وذلك حين هاجم أحد منافسيه -وهو إبراهيم رئيسي- الذي كان عضوًا مع ثلاثة آخرين، هم حسين علي نيري، مرتضى إشراقي، ومصطفى بور محمدي، فيما يسمى بـ “لجنة الموت”، أو كما نعتهم المعارض الإيراني أمير عباس فخرآور في كتابه “رفيق آية الله” بـ “قضاة الموت”، والتي شكلها الخميني -مرشد الثورة المزعومة- لتنفيذ فتواه آنذاك بإعدام السجناء السياسيين الذين قدرتهم المعارضة بحوالي 30 ألفًا.
أصل المجزرة
أصل المجزرة يعود لفتوى أصدرها الخميني للتخلص من معارضيه السياسيين الذين كانوا شركاءه في الثورة على نظام الشاه الملكي، حيث وصفهم بالمرتدين وأنهم يحاربون الله، أما تنفيذ الإعدامات فقد بدأ صيف 1988، وتحديدًا في شهر يوليو، واستمرت لعدة أشهر، غير أن التمهيد لها بدأ قبل ذلك، إذ قام المسؤولون عن السجون بعملية الاستجواب نهاية 1987، وتكرارها مرة أخرى بداية 1988.
تقول منظمة “مجاهدي خلق” المعارضة: “كانت فرق الموت المشكلة من أشرس عناصر النظام وأكثرها إجرامًا وولاءً تزاول عملها في تلك الأيام السوداء لتنفيذ المخطط، حيث كانوا ينتظرونه منذ عدة أشهر لارتكاب المجزرة، فيما كان الخميني يصدر أوامره التحريرية ويشرف عليها شخصيًا وبشكل يومي .. وكان الجلادون -ومن خلال طرح سؤال قصير فقط لمعرفة الولاءات- يصدرون أوامرهم بالإعدام والشنق فورًا”.
وعقب إصدار الفتوى، ومن خلال حاج أحمد نجل الخميني، استفسر رئيس السلطة القضائية آنذاك عبد الكريم أردبيلي، عن بعض ما ورد في الحكم، وهل يشمل من كانوا في السجون وسبق أن تمت محاكمتهم وحكم عليهم بالإعدام دون أن تتغير مواقفهم ولم يتم تنفيذ الحكم بعد؟ أم يشمل حتى الذين لم يحاكموا أو حكم عليهم بالسجن لمدد قصيرة؟، وكان رد الخميني نصاً: “باسمه تعالى .. في جميع الحالات المذكورة أعلاه، وبصرف النظر عن الملف، فأي شخص كان يصر على تعاطفه مع المنافقين ليحكمْ عليه بالإعدام ..أبيدوا أعداء الإسلام بسرعة، وبخصوص مثل هذه القضايا عليكم أن تعتمدوا أسلوب تنفيذ الحكم في أسرع وقت. التوقيع: روح الله الموسوي الخميني”.
المئات -وربما الآلاف- من الوثائق حول هذه المجزرة ظهرت على مدار سنوات طويلة، ومن المرجح ظهور الكثير منها إذا تم التحقيق فيها يومًا من قبل المجتمع الدولي أو حتى إذا سقط نظام ولاية الفقيه، فعلى سبيل المثال، أعلنت مجموعة من الحقوقيين خلال مؤتمر صحفي عقدته في جنيف قبل فترة، امتلاكها أدلة على وجود 12 مقبرة جماعية لقتلى هذه المجزرة البشعة، تشمل عناوينها الدقيقة، داعية الأمم المتحدة إلى ضرورة فتح تحقيق حولها.
اعترافات منتظري
لم يكن المقطع الصوتي للمرجع الشيعي الراحل، حسين علي منتظري، “توفي 2009” -والذي انتشر العام الماضي 2016 على يد نجله أحمد- السابقة الأولى والدليل الأوحد الذي ارتبط برجل كان قاب قوسين أو أدنى من خلافة الخميني على ارتكاب المجزرة، بل سبق وقال في رسالة إلى الخميني بتاريخ 31 يوليو 1988: “بخصوص الحكم الصادر عن سماحتكم مؤخرًا بإعدام المنافقين الموجودين في السجون، أقول إن إعدام المعتقلين بسبب الأحداث الأخيرة أمر مقبول شعبيًا ولا يترتب عليه أثر سيئ، ولكن إعدام الموجودين سابقًا في السجون فإنه سيؤدي إلى إثارة الضغائن والأحقاد، ومن ثم ستزعج عائلات كثيرة من العائلات الثورية والمتمسكة بالدين، وسيؤلمها”.
وأضاف: “كما أن الذين حكمت عليهم المحاكم -طبقًا للقوانين- بأحكام أقل من الإعدام، فإن إعدامهم دون تمهيد أو دون قيامهم بأنشطة جديدة يعني عدم الالتزام بالأعراف القضائية، وتكون نتيجته معكوسة”. وذكر منتظري في رسالته كذلك: “طبقًا لحكم سماحتكم الأخير، سوف يعدم أيضًا أفراد أبرياء أو أفراد خفيفو الذنب، وفي الأمور الهامة يكون الاحتمال أيضًا منجزًا .. إننا لم نجني حتى الآن شيئًا من القتل والعنف سوى تعرضنا للمزيد من الحملات الإعلامية المضادة ودعم موقف المنافقين وأعداء الثورة، ومن المناسب أن نتحلى لفترة بالرحمة والعطف، وستكون نتيجة ذلك إيجابية لا محالة .. وإن تمسكتم بموقفكم فليكن القرار المتخذ بالإجماع، أي بإجماع آراء القاضي والمدعي العام وممثل المخابرات، وليس بأكثرية الأصوات، واستثناء النساء، خاصة اللواتي عندهن أولاد، علمًا بأن عملية إعدام بضعة آلاف خلال أيام لن تكون نتائجها حميدة”.
وبخصوص التسجيل الصوتي، ومدته 40 دقيقة، فقد جاء فيه على لسان منتظري مخاطباً “لجنة الموت”: “ارتكبتم أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية .. التاريخ سيعتبر الخميني رجلًا مجرمًا ودمويًا”. وبسبب موقفه هذا، أقال الخميني منتظري من منصب النائب، ولكن تظل شهادته حية لتؤرخ جرائم هذا النظام السرطاني، ولتغرس خنجرًا في صدر العدالة الدولية الغائبة عن هذه المجزرة حتى الآن.
وسائل الإعلام نقلت عن نجل منتظري عام 2016، أن السلطات الأمنية طالبت الموقع الرسمي لوالده بحذف الملف الصوتي، فيما ندد مجلس خبراء القيادة بنشر هذا التسجيل قائلًا إنه “بمثابة صب الماء في طاحونة العدو”، كما أن المحكمة الخاصة برجال الدين في مدينة قم، استدعت أحمد منتظري للتحقيق واتهمته بالكشف عن أسرار النظام.
ويظل السؤال مطروحًا.. متى سيتم فتح التحقيق في مجازر نظام ولاية الفقيه ضد الشعب الإيراني خلال العقود الأخيرة؟.
م.ج
م م



